ثقافة

    يعتقد كثيرون، وأنا منهم، أن مجالَي السينما والرواية في منطقتنا العربية والشرق الأوسط عموماً، هما من المجالات التي ترحّب بالأشخاص ذوي الجرأة على طرح قضايا أو مشاكل تتجنب المجتمعاتُ المحافظة ذِكرَها صراحةً. ولهذا كانت الروايات والأفلام السينمائية متنفساً للكتّاب الراغبين في الحديث عن "التابوهات" الموجودة في مجتمعاتهم. والقصص كثيرة عن كتّاب روائيين تم تكفيرهم، أو تهديدهم بالقتل، أو قامت حكومات بلادهم بمضايقتهم ليعيشوا في المنافي إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ومن هؤلاء الكاتب السوداني الصاعد بقوة حمور زيادة.

    وُلد حمّور زيادة في العام 1977 بمدينة أم درمان، التي تعتبر العاصمة الوطنية للبلاد، والتي يقع فيها مقر البرلمان، ويفصلها عن العاصمة السياسية الخرطوم نهر النيل، وعمل في العمل التطوعي والمجتمع المدني وعدد من الصحف السودانية، كما ترأس القسم الثقافي لصحيفة "الأخبار" السودانية. صدرت له عدة أعمال: "سيرة أم درمانية"، وهي مجموعة قصصية في العام 2008، ورواية "الكونج" في العام 2010، والمجموعة القصصية "النوم عند قدمي الجبل" في العام 2014. وقد فازت روايته الثانية "شوق الدرويش" (2014) بجائزة نجيب محفوظ للأدب عام 2014، وترشحت في القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2015. وقد غادر زيادة السودان في العام 2009 ليستقر في مصر، بعد أن تعرّض لمضايقات من أجهزة الأمن السودانية والنظام الإسلامي حينها، وتهديدات بسبب ما وُصف وقتها بـ"الإباحية" في رواياته.

    حمور زيادة

    من الأشياء التي تُميّز كتابات حمور زيادة خلطه بين التاريخ والدين والسياسة والمسكوت عنه في المجتمع السوداني، وهو يخلط بين هذه العناصر الأربعة في قالب سردي ممتع يصعب معه التوقف عن القراءة حتى آخر صفحة. فالتقنية السردية لشخصيات رواياته تقفز من شخصية وموقف إلى شخصية أخرى وموقف آخر، لتتركك مشدوها لدقائق، قبل أن تعود بك إلى الشخصية الأولى. وهو نمط من الكتابة تحسّ معه وكأنك تشاهد فيلماً سينمائياً أو حلقة لمسلسل ممتع، والتكنيك الذي يستخدمه زيادة في حواراته سوداني بحت، يجمع ما بين العاطفة الدينية ومشاعر الحنين والمجاملة والعبارات التي تعبّر عن الترابط الاجتماعي الذي يشتهر به السودانيون.

    في روايته الأشهر "شوق الدرويش" نجد حديثاً هو خليط بين الحب للزوجة وبين العاطفة الدينية، بين أحد جنود جيش المهدي في ثمانينيات القرن التاسع عشر وبين زوجته "ناداني الله يا فاطمة.. أما ترين ما أصاب الدين من بلاء؟ تغير الزمان، ملئت الأرض جوراً، التُّرك.. الكفار، بدّلوا دين الله، أذّلوا العباد، ألا أستجيب لداعي الله ورسوله إذا دعاني لما يحييني؟ سنجاهد في سبيل الله، في شأن الله، نغزو الخرطوم، نفتح مكة، نحكم مصر، ننشر نور الله في الأرض بعد إظلامها، وعدُ اللهِ سيدنا المهدي عليه السلام، وما كان الله مخلفاً وعده مهديه يا فاطمة، واجبة علينا الهجرة، واجب علينا نُصرة الله، عجلت إليك ربي لترضى، وتركت فاطمة ورائي".

    الحوار الدائر بين المقاتل الأنصاري (نسبة إلى أنصار المهدي في السودان) وزوجته يوضّح الطموحات السياسية للدولة المهدية في السودان تحت قيادة خليفة المهدي، عبدالله التعايشي، في أواخر القرن التاسع عشر. وهي طموحات أطاحت بهذه الدولة وكانت سبباً في استعمارها بواسطة الإنجليز، الذين استعانوا ببقايا جيش أحمد عرابي المهزوم. وكثيراً ما أفكر في أن التاريخ يعيد نفسه بعد أكثر من قرن، عندما أتذكر الطموحات السياسية التي قادت الإسلاميين للقيام بانقلاب تصوّروا بعد نجاحهم في تدبيره واستتباب الأمور لهم داخلياً أنهم سيقودون بعده العالم الإسلامي، وهو أمر جرّ على السودان مشاكل ما زال يعاني منها، وتلك قصة أخرى.

    الرواية في مجملها تحكي عن أسير سابق في حملة عبدالرحمن النجومي، التي أرسلها الخليفة عبدالله لغزو مصر في العام 1896، والتي أُبيدت وقتل قادتها وأُسر من بقي من الرجال والنساء، منهم بطل القصة "بخيت منديل"، الذي أسرته أسرة مصرية من الصعيد لسنوات، ثم أطلقت سراحه ليعود إلى أم درمان، ليعمل حمالاً في السوق، لتسوقه الصدفة ويقع في غرام فتاة إغريقية غادرت أسرتها المقيمة بمدينة الإسكندرية المصرية للتطوع مع الكنيسة القبطية في الخرطوم، قبل سقوطها في يد جيوش المهدي في العام 1885، لتقع في الأسر، ويتم توزيعها ضمن الغنائم لأحد كبار التجار المقربين من قادة المهدية الجدد. وتتكرر اللقاءات بين الأسير السابق والأسيرة الحالية التي تُعلمه اللغات، ويهيم هو بها وتهيم به، لكنها ترغب في الهرب من هذا الجحيم، وتخطط للهرب لينتهي الأمر بها مقبوضاً عليها، ويقوم سيدها بقتلها، ويكون بخيت منديل، المخمور ليلتها، هو من يقوم بدفنها دون أن يعلم. وينتهي به الأمر مسجوناً هو الآخر لسنوات حتى تحرّره القوات الإنجليزية- المصرية الغازية، ليخرج باحثاً عن ثأره ممّن تسبّبوا في قتل حبيبته وسجنه، ويثأر منهم واحداً تلو الآخر.

    رواية "الغرق" لحمّور زيادة تأخذنا من مدينة أم درمان في نهايات القرن التاسع عشر، والدولة المهدية التي تسرد أحداثها رواية "شوق الدرويش"، إلى قرية حجر نارتي في شمال السودان، في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حيث تبدأ القصة بجثة غريقة مجهولة تظهر في النيل، في وقت كان فيه الجالسون على شاطئ القرية يضحكون ويتسامرون ويعيدون رواية نفس الحكايات، ويتناقشون في الأخبار التي جلبها المذياع عن حدوث انقلاب عسكري للشيوعيين في الخرطوم. وتدور أحداث الرواية حول شخصيات رئيسية منها بائعة الشاي والقهوة فايت ندو، والتي هي ابنة لخادمة بيت العمدة السابقة عز القوم. وهما من الرقيق السابقين الذين منحتهم الحكومة الاستعمارية حريتهم بموجب القانون. وكانت فايت ندو تحلم بتعليم ابنتها حتى تصبح طبيبة وتخرج من هذه القرية. وشخصية المساعد الطبي في القرية "أحمد شقرب"، وهو شيوعي هارب من بطش الحكومة في الخرطوم. والبشير، شقيق العمدة محمد سعيد الناير، وزوجة العمدة صعبة المراس.

    ومثلما تبدأ الرواية بجثة امرأة غريقة في نهر النيل، تنتهي أيضاً بفتاة غريقة هي ابنة بائعة الشاي التي تمنعها زوجة العمدة من مواصلة تعليمها رغم تفوقها في الدراسة، لتصبح متعة لشباب القرية، ومنهم المساعد الطبي القادم من الخرطوم، وتحمل من أحدهم وترفض التخلي عن الطفل، لتأخذه زوجة العمدة عنوة منها، وتعطيه لجماعة من الغجر الرحّالة مقابل موافقتها على مواصلة الفتاة لتعليمها. وتنتهي القصة بانتحار الفتاة في نهر النيل ووأد أحلام والدتها في أن تصبح ابنتها طبيبة. والرواية في مجملها تدور حول ثنائيات الأحرار والعبيد، والقرية والمدينة، الصراع على العمودية بين بيت الناير وبيت البدري، والمرأة الطيبة والأخرى الشريرة، والشيوعيين والمتدينين، والمختلفين بين الديمقراطية والداعمين لحكم العسكر. وفي وسط القصة نجد مقولة لعز القوم، والدة فايت ندو، تقولها بكل جرأة أمام أسيادها السابقين بعد حصولها على الحرية بموجب قانون منع الرق الإنجليزي "الإنجليز يباركوهم الشيوخ السادة.. والعرب ينقصوا ما يلقوا الزيادة".

    المجموعة القصصية "النوم عند قدمي الجبل" ضمّت ثلاث قصص قصيرة، حصلت إحداها على شرف أن تكون قصة فيلم سينمائي جديد للمخرج السوداني الشاب أمجد أبو العلا، هو فيلم "ستموت في العشرين". وتدور أحداث القصة حول فتى صغير تصادف أن كان أحد شيوخ الصوفية موجوداً يوم ولادته في قريته الصغيرة شمال السودان، ليأخذه والده للتبرك بالشيخ، وفجأة ينهض أحد جيران الشيخ ويهذي بأن الطفل المولود سيموت قبل أن يصل عامه العشرين. ليصبح أمر وفاته قبل بلوغ سن العشرين من المسلّمات وسط ذلك المجتمع القروي البسيط المؤمن بالغيبيات. وليذهب الشاب يوم بلوغه العشرين إلى "مقابر الصحابة" عند الجبل، ويحفر قبره بيديه وينتظر يومه.

    روايات حمّور زيادة إذن تناقش قضايا المجتمع السوداني، المبتلى بالنزاعات بين حداثة وتخلف، وإسلاميين ويساريين، وعرب وزرقة، وانفتاح ومحافظة، وعسكر وديمقراطيات، إلى آخر الأضداد. كما تتناول التاريخ الحديث في قالب اجتماعي ممتع يحكي عن شخصيات تتناول تابوهات المجتمع من حديث عن الرق والفساد في عهد المهدية والسطوة الكبيرة لشيوخ الصوفية في أرياف السودان. وهي كلها قضايا تحتاج إلى نقاش أعمق خارج قالب الرواية. وحمّور زيادة نفسه كاتب نشط في السياسة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومتابع لصيق للشأن السوداني، الأمر الذي يجعل القارئ السوداني والعربي يتوقع منه المزيد من الروايات القوية في مخاطبتها للسياسة والتاريخ والمسكوت عنه في المجتمع السوداني وغالبية المجتمعات المجاورة له. 

     

    بعد غياب أكثر من عامين ونصف العام منذ قدم آخر أعماله "قسطي بيوجعني"، يعود الفنان المصري هاني رمزي إلى شاشة السينما بفيلم "عمر المختار".

    وعن طول فترة غيابه على السينما، قال رمزي لـ"العين الإخبارية" إنه دائماً ما يبحث عن فكرة جيدة وعندما يفشل في العثور على عمل مميز يُفضِّل الغياب. 


    الفيلم من تأليف سامح سر الختم وشادي محسن، ومن المقرر تصويره خلال الفترة المقبلة، بعد ترشيح عدد من الأبطال، وينتمى إلى طبيعة الأعمال الكوميدية، التي تعود عليها ويقدمه بشكل مختلف عن أعماله السابقة.

    وأعرب رمزي عن سعادته بالمشاركة في الدورة الرابعة لمهرجان الجونة السينمائي، الذي اختتم فعالياته، الجمعة الماضي.

    وقال رمزي: "فخور بمهرجان الجونة، وأرى أنه عرس سينمائي رائع، كان هناك دقة في التنظيم، وأعتبر إقامة هذا المهرجان في ظل جائحة كورونا تحدياً كبيراً، ويجب توجيه الشكر لإدارة المهرجان لحرصها الشديد على سلامة الضيوف".

    أما عن مستوى الأفلام المشاركة في المهرجان، فقال: "أعجبني جداً اختيار الأفلام، وأغلبها يدور في قالب إنساني مؤثّر، وهذا يتطابق مع شعار المهرجان (سينما من أجل الإنسانية)".

    وكانت أنباء ترددت عن أن هاني رمزي سيقدم جزءاً ثانياً من فيلم "غبي منه فيه" (إنتاج 2004) والذي حقق نجاحاً كبيراً وقت عرضه، لكن حتى اللحظة لم تتعاقد الشركة المنتجة مع أبطال العمل ولم يدخل المشروع حيز التنفيذ.

     

    نجت البيوت الخشبية في مدينة تومسك السيبيرية بطريق الصدفة من جرّافات الاتحاد السوفيتي، غير أن هذا الكنز المعماري بات معرّضا للخطر.

    وإذا كان البعض منها ملوّنا ومنمنما، فإن البعض الآخر بات باهت اللون ومتداعيا ومهملا. 

    وهذه المنازل الحضرية، المختلفة عن البيوت الخشبية في الريف، هي رمز إحدى أقدم المدن في سيبيريا أُسست سنة 1604 على ضفاف نهر توم، على بعد 2900 كيلومتر عن شرق موسكو.  

    ولا يزال يتسنّى لزوّار وسط تومسك التمتع بمشاهدة زينتها وإطارات أبوابها المنحوتة بعناية في خشب الصنوبر الذي تتألّف منه الجدران. 

    وفي مطلع القرن العشرين، كانت هذه المدينة القلب النابض لسيبيريا وملتقى تجاريا بارزا على الطريق نحو آسيا. 

    فبنى فيها التجار والحرفيون والسرّاجون والحدّادون مئات المنازل من الخشب الذي كان متوافرا بكثرة في تلك الحقبة، لاستعراض إنجازاتهم.   

    لكن هذه السنوات الذهبية لم تدم كثيرا. 

    ففي العشرية الثانية من القرن العشرين، خسرت تومسك تصنيفها عاصمة إقليمية لحساب نوفونيكولايفسك على بعد 265 كيلومترا إلى الجنوب الغربي. 

    وقد تمايزت نوفونيكولايفسك عن تومسك بكونها على طريق السكة الحديد العابرة لسيبيريا التي كانت في طور الازدهار وقتها. 

    وباتت نوفونيكولايفسك ثالث أكبر مدينة في روسيا تُعرف باسم نوفوسيبيرسك وهي مختلفة تمام الاختلاف عن تومسك بمبانيها الإسمنتية على الطراز السوفيتي.   

    وفي تومسك، تمّ الحفاظ على الكثير من المنازل الخشبية، لأن السكان "اضطروا للعيش في ما كان موجودا أصلا"، وفقا للمؤرّخ المحلي سيرغي مالتسف (46 عاما).

    وأحصى المؤرّخ لوكالة الأنباء الفرنسية، قرابة 2000 عمارة من هذه العمارات المشيّدة منذ أكثر من 100 سنة، وهو عدد استثنائي في روسيا لمدينة تعدّ 575 ألف نسمة.   

    لكن أقلّ من 1010 منازل من هذه المنازل مصنّفة ومصونة كمعلم تاريخي من قبل الدولة، بحسب مالتسف، في حين أن المنازل الأخرى تبقى في مهبّ الريح، عرضة لمطامع السماسرة العقاريين وقرارات البلدية القاضية بهدمها.    

    وأطلق في العام 2016 مشروع لترسيم حدود منطقة تاريخية يمنع هدم المنازل داخلها.  

    لكن هذه المنطقة لم تحدّد بعد بسبب تباين في الآراء، لدرجة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تدخّل في المسألة العام الماضي، طالبا حلّها.  

     ولا يستبعد سيرغي مالتسف أن يكون هذا التسويف ناجما عن "ضغوط شركات العمار" أو "عن المماطلات البيروقراطية المعتادة". 

    في المقابل، يتيح برنامج استئجار هذه العمارات بأسعار رمزية في حال التكلّف بترميمها. 

    وقال مالتسف إن "هذا البرنامج قائم لكن سمح بإنقاذ عشرة منازل فحسب في ثلاث سنوات. والأمر يستغرق وقتا طويلا. وقليلون هم المستثمرون نظرا للوضع الاقتصادي". 

    وشدّد المؤرّخ على ضرورة توافر "نيّة سياسية" لحماية هذا الكنز، مستشهدا بورشة الترميم الجارية في مدينة بلييوس على ضفاف الفولجا.  

     

    توفي اللغوي الفرنسي الشهير آلان ري، الوجه الأبرز وراء قاموس "لو روبير" في باريس عن 92 عاما.

    وأعلنت نبأ الوفاة، زوجته ودار نشر "لو روبير" للنشر، الخميس.

    وقد أشرف ري الحائز على إجازة في الأدب، على الفريق الذي أنشأه المحامي الجزائري المولد بول روبير لإعداد قاموس جديد للغة الفرنسية.

    وأبصر قاموس "جران روبير" النور سنة 1964 بأجزائه الستة ثم "بوتي روبير" في 1967 وتوالت النسخ المختلفة والمتنوّعة من هذا المعجم.


    وكان آلان ري من أشدّ المدافعين عن تطوّر الفرنسية بمنشئها الهجين من لغات مختلفة (كاللاتينية والسلتية والجرمانية) وتداخلها الدائم مع لغات أخرى مثل الإيطالية والإسبانية. وهو أشرف على إعداد "القاموس التاريخي للغة الفرنسية" (1992).

     وقد عرفه الجمهور من خلال فقرة يومية صباحية مخصصة للكلمات أحياها عبر أثير "فرانس إنتر" بين 1993 و2006.  

     وحاز آلان ري على جوائز عدّة، وحاضر في الولايات المتحدة وجامعة السوربون في باريس وترأس لجنة علم المصطلحات التابعة لوزارة الثقافة.

    وعُرف بتأييده لتأنيث أسماء المهن.

     وجاء في بيان مشترك صادر عن زوجته ودار "لو روبير" للنشر "أنه ما انفك يمثّل اللغة الفرنسية بكلّ رهاناتها وغموضها".

     
    ثقافة - الجمعة, 30 تشرين1/أكتوير 2020 16:07

    الجامع الأموي في دمشق: قصة فسيفساء

    «ومن عجائبه أنه لو عاش الإنسان مائة سنة وكان يتأمله كل يوم، لرأى فيه كل يوم ما لم يره في سائر الأيام».
    – ياقوت الحموي، معجم البلدان، القرن الثالث عشر ميلادي.

    أثناء تجوالها في مسجد دمشق الأموي عام 1927، رأت مارجريت جوتييه فان بيركيم ما لم تره في سائر الأيام. فبينما ساد الاعتقاد بأن زينة الجامع الأسطورية قد راحت ضحية كوارث متتالية، بين سخط العباسيين وغزوات المغول وحريق عام 1893، كان للباحثة السويسرية رأي آخر.

    في دراسة لها، أكدت فان بيركيم أن الزينة الجدارية العائدة لفترة الوليد بن عبد الملك لا تزال هنا، تختبئ على مرأى من الجميع تحت القصارة التي تغطي جدران الصحن. في العام التالي، أشرف مدير المعهد الفرنسي في دمشق آنذاك، فيكتور أوستاش دي لوريه، على عملية إزالة القصارة، والتي يبدو أن العثمانيين وضعوها لسبب مجهول.[1]النتيجة فاقت التوقعات، ففسيفساء الجامع الذي «يكاد يقطر ذهبًا ويشتعل لهبًا» لم يعد مزاودة شعرية من طرف ياقوت الحموي، بل حقيقةً مبهرةً.

    تولى ثلاثة طلاب فنون سوريّون مهمة ترميم وتوثيق الفسيفساء المذهّبة، التي زادت في أهمية صرح كان من بين الأهم في تاريخ الإسلام في المنطقة، والنموذج المعماري الأول لكثير من مساجد العالم. جاء مسقط المسجد وتوزيع فراغاته في الحقيقة نتيجة تراكم تاريخي لعدة منشآت دينية أقيمت على الموقع، أبرزها معبد جوبيتر الروماني وكنيسة يوحنا المعمدان البيزنطية التي تقاسمها مسيحيو المدينة مع مسلميها حتى عام 705 م، حين أطلق الوليد بن عبد الملك ورشته الشهيرة. عندما انتهى العمل على المسجد عام 715 م، كانت جدران صحنه وحرمه قد كُسيت بالكامل بفسيفساء مذهبّة؛ عشرات الأمتار لم يبق منها اليوم إلا أجزاء على الرواق الغربي وبيت المال، وعلى الواجهة الشمالية للحرم.

    يرى كثيرون في فسيفساء الجامع الأموي استمرارًا لتقليد مسيحي ازدهر في الحقبة البيزنطية، في كبريات كنائس الإمبراطورية كما في القسطنطينية أو رافينا أو سالونيك، وبينما تقوم الفسيفساء المعتادة على استخدام قطع حجرية صغيرة بألوانها الطبيعية لإنتاج الصور المرغوبة، تتطلب الفسيفساء المذهبة أضعاف الوقت والمال اللازمين، حيث يجري دقّ ورقة ذهب رقيقة بين صفيحتي زجاج ومن ثم تحمية القطعة بالنار. تشكل تلك القطع المذهبّة الخلفية، وتُعشّق بأحجار مختلفة، منها أنواع الرخام الملون والثمين لصناعة الصورة المطلوبة. وتمتاز الجدارية النهائية بمقاومتها للزمن وبتلك القدرة الخلابة على عكس الضوء بطبقات مختلفة.

    لكن الاختلاف الجوهري لصور الفسيفساء الأموية في دمشق عن مثيلاتها البيزنطية يكمن في غياب أي تصاوير بشرية أو حيوانية انصياعًا لتعاليم الدين الجديد.[2]بالتالي، اقتصرت أسلمة الفسيفساء البيزنطية على انتقاء المناسب منها وترك الباقي، والنتيجة هي صورٌ لعوالم فردوسية تقبع في سكون أزلي، لولا بضع نسمات تلعب بالأوراق، وأنهار تخترق العمران المهجور.

    تمثل تلك الصور «بلاد الدنيا»، بحسب مؤرخين كياقوت الحموي وشمس الدين المقدسي، وهي نظرية واردة نظرًا لانتشار خرائط الفسيفساء في سوريا الطبيعية آنذاك، كما في مادبا وطيبة الإمام. من الطبيعي أيضًا أن يكون أقرب شبيه لهذه المشاهد في أذهان الناس آنذاك هي الجنة كما جاء وصفها في القرآن: «غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار» (الزمر، 20)، وهي إحدى التفسيرات الشائعة أيضًا، يضاف إليها التفسير القائل بأن الصور تمثل دمشق وغوطتها ونهرها بردى.

    لكن الدلالة القرآنية لا تنفي بالضرورة الدلالة الدنيوية، بحسب الباحث آلان جورج،[3]الذي يجادل بأن الأمويين قد ورثوا عن الفرس والروم صورًا لطالما رمزت إلى ملكوت مزدوج، سماوي وأرضي. تبنى الأمويون تلك الازدواجية، جاعلين من الخلافة انعكاسًا لمشيئة الله على الأرض، ومن فسيفساء المسجد الأموي، بالتالي، دلالة على جنات عدن وعلى انعكاسها الأرضي، دمشق، في آن واحد. تبدو النظرية منطقية كون المسجد الجامع هو تعريفًا مكان مزدوج؛ فهو الضمان لحياة آخرة هنيئة من جهة، ومركز للحياة الدنيا وأشغالها من جهة أخرى، بل ومركز للعالم الإسلامي في حالة دمشق. الفصل بين الشقين الديني والدنيوي ليس بهذه السهولة إذن.

     

    الصور تفنى بصعوبة، ولا تستحدث من العدم، بل تتحول من شكل إلى آخر، وفسيفساء الأموي هي البرهان على ذلك.

     

    إلا أن استحالة الجزم بمعنى تلك الصور ليست نهاية القصة. فمن وجهة نظر بصرية بحتة، قلّما تستمد الصور عناصرها من الحياة الواقعية أو من النصوص، وإنما من صور أخرى. وبالفعل، يمكن تتبع المفردات البصرية للجامع الأموي في ترحالها عبر امتداد جغرافي يصل بلاد فارس وآشور بشواطئ نابولي والقسطنطينية. تلك المباني المتلاصقة مثلًا، التي تزين الجدران بتراكبها الأفقي ومناظيرها المتداخلة وشبابيكها الصغيرة العلوية، هي تقليد متوسطي يعود للقرون الأولى قبل الميلاد، قد يكون أشهر تجلياته جداريات بوسكوريـال الرومانية التي زينت منزلًا أرستقراطيًا في القرن الأول الميلادي، شمال مدينة بومبي.

    كذلك حال المبنى الدائري الغامض بأعمدة كورنثية، يتقدمه ما يشبه المذبح المزين بالنباتات والثمار، وهي صورة نجد شبيهتها في الجامع الأموي. أما الأشجار بتمثيلها الدقيق، فيمكن ربطها بالجداريات التي زينت منذ القرن الأول الميلادي فيلّا ليفيا في روما، حيث نجد ذات التقنية في تراكب الأوراق وفي استخدام درجات مختلفة من الأخضر بحيث تغمقّ الأوراق تدريجيًا كلما ابتعدت عن الغصن، معطيةً الوهم بالعمق (التقنية ذاتها المستخدمة في فسيفساء قصر هشام الأموي في أريحا).

    الصور تفنى بصعوبة، ولا تستحدث من العدم، بل تتحول من شكل إلى آخر، وفسيفساء الأموي هي البرهان على ذلك، فهي تجميع كبير من الصور يغلب عليها اليوناني والروماني والبيزنطي وبضع تأثيرات فارسية وآشورية (في بعض الزخارف المستوحاة من الزهور وريش الطاوس مثلًا).[4]لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأمويين قد رأوا فيها ما رآه سابقوهم، فربما صارت تلك المفردات مع الوقت مجرد رسومات اعتادتها أيدي الحرفيين وعيون المشاهدين، أفرغت من معناها جزئيًا أو كليًا لتتحول إلى روتين تزييني.

    يمكن طرح السؤال ذاته عن فسيفساء قبة الصخرة، وهي التوأم المعماري لمسجد دمشق، بنيت قبله بعقد تقريبًا. فبينما نعرف أن التيجان المجنحة مثلًا كانت في الأصل رمزًا ملكيًا ساسانيًا، فإن ذلك لا يساعدنا على تقدير ما إذا كانت معانيها القديمة قد سافرت معها أم لا. المدهش في تلك التكوينات، أكثر من لغز معناها، هو قدرة مسلمي آنذاك إعطاءها معنى ما، رغبتهم بتكييف قيمهم الجديدة مع صور قديمة سبقتها وسبقتهم بقرون.

    يسود الاعتقاد باستقدام الخليفة الوليد حرفيينَ بيزنطيين لتنفيذ فسيفساء دمشق، ما يعطي انطباعًا خاطئًا بكونها فنًا أجنبيًا جرى استيراده من الخارج. لكن بين فتح دمشق عام 634 م وبدء العمل على المسجد عام 705 م، لم يمض إلا 71 عامًا، أي فترة غير كافية لكي تصبح الثقافة «الرومية»، أي البيزنطية، ثقافة أجنبية في سوريا. حتى دواوين الدولة وعملتها ظلّت يونانية في إقليم الشام ولم تعرّب إلا قبل بناء المسجد ببضع سنوات، دون الحديث عن الشعب الذي لن يُعرّب لغويًا وثقافيًا إلا بالتدريج.

    تسهل مقارنة صور الجامع الأموي بمثيلاتها في روما أو رافينا في إيطاليا لكون تلك المدن عواصم كبيرة، لكن الفسيفساءات البيزنطية في سوريا تشهد على تقاليد مطابقة تمامًا مع فرق الميزانية، وبالتالي، الجودة. أن يكون الحرفي إذن قد جاء من القسطنطينية أو من أنطاكية أو من وسط سوريا لا يغير الكثير، ولا يجعل من فسيفساء الجامع الأموي دخيلًا أجنبيًا، بل بالعكس تمامًا؛ يجعله الذروة الطبيعية لتقليد لا هو مسيحي ولا وثني، بل محلي ببساطة، تقليد العصر.

    لم يمنع ذلك التاريخَ الإسلامي من تذكّر الوليد كخليفة مدلل وذي عروبة واهية، ترك قيم أجداده مقابل بذخ ورخاء المدنية. «كان الوليد لحّانًا» بحسب السيوطي،[5]واللحن هو ترك الصواب في الكلام العربي كما يخبرنا ابن منظور، مضيفًا أنه من شيم اليهود والنصارى، وأنه إذا «استُملح» من قبل الجواري كنوع من الغنج، فهو عيب على فحول الدولة ورجالاتها. في سياق متصل، يبدو أن الشام، «بلد النصارى» بحسب المقدسي،[6]كان قد ذاع سيط عمارتها، فخشي عبد الملك وابنه الوليد أن تغري المسلمين، ففضّلا تبذير أموال الدولة على قبة الصخرة وجامع دمشق كي يضاهيا ببهائهما ما عرفته الشام، ولو عنى ذلك تبنيهم لقيم جمالية أبعد ما تكون عن قيم المساجد العربية الأولى في مكة والمدينة.

     

    من حسن حظ المسجد الأموي إذن كونه لحانًا كذلك، لأن في لحنه انفتاحًا لإسلام شبه الجزيرة على الإرث الحضري لشرق المتوسط. لا يجدر بنا فهم ذلك كتخلٍّ عن عروبة قويمة، بل كإعادة اختراع لتلك العروبة، فدخول الإسلام مرحلةً جديدة من الانتشار والمأسسة تطلبت لغة بصرية باذخة من الطبيعي أن يرثها العرب من محيطهم الموجود أصلًا، وأن تولد نتيجة صدام مع فلول حضارة رومانية بيزنطية فقدت ألقها. إن كان الروم والأمويون أعداءً على الخرائط وفي الكتب، فإنهم في تاريخ الفن كلٌّ متكامل، قد خلف أحدهم الآخر. أما العالم الذي خلّفوه وراءهم  فهو عالم من الصور، أو هذا على الأقل ما تبقى لنا منه.

    ثقافة - السبت, 24 تشرين1/أكتوير 2020 10:47

    مخطوطة كليلة ودمنة

    يعتبر ابن المقفَّع من أئمة الكُتَّاب، وأول من عُنِي في الإسلام بترجمة كتب المنطق، وهو صاحب الرَّسائل البديعة، وقد كان خطيباً فارسياً، كما كان كاتباً لأبي جعفر المنصور، وقد تولى كتابة الديوان له، وترجم له كتب أرسطوطاليس الثلاثة في المنطق، وقد اتُّهِم بالزندقة.
    تحتفظ مكتبة ولاية بافاريا الألمانية بهذه المخطوطة التي جرى رسمها في مدينة القاهرة وذلك في عام 1310 م، وتحاكي مجموعة قصص كليلة ودمنة الهندية الأصل و التي ترجمها عن الفارسية؛ الأديب الكبير ابن المقفع الذي عاش في العراق بين عامي 106و142 هـ (742-759 م).
    تتألف المخطوطة من 262 صفحة غنية بالمنمنمات، إذ تتضمن 73 منمنمة ذات جودة فنية عالية، وتعتبر النسخة المرفقة؛ أقدم مخطوطة عربية متاحة لمجموعة " كليلة ودمنة".
    "كليلة ودمنة" كُتبت أساساً بالسنسكريتية لغة الهند وذلك في القرن الرابع الميلادي، ثمَّ تُرجمَت للفارسية الفهلوية مطلع القرن السادس بإيعاز من كسرى الأول.
    ثمَّ قام عبد الله بن المقفع بترجمتها وأسبغ عليها أسلوبه الأدبي الرفيع، وزاد عليها من تأليفه فصولاً أخرى، وقد عُدَّ هذا العمل بمثابة أول تُحفة أدبية مكتوب بالعربية.
    وأراد ابن المقفع من خلال إعادة كتابة "كليلة ودمنة" إرسال نصائح غير مباشرة لأبي جعفر المنصور الحاكم العباسي آنذاك، ومؤسِّس مدينة بغداد، حيث أن الحكيم الهندي بيدبا صاحب "كليلة ودمنة" أراد من خلالها أن يوجِّه النُصح للملك دبشليم، وذلك من خلال إجرائه تلك النصائح والحِكمَ على لسان الحيوانات التي اختارها كأبطال لقصصه.
    أشاد أعلام الأدب واللغة بمساهمات ابن المقفع، فقد قال عنه ابن سلام الجمحي: "سمعتُ مشايخنا يقولون: لم يكُن للعرب بعد الصَّحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العَجَم أذكى من ابن المقفَّع ولا أجمع".
    كما قيل للخليل بن أحمد الفراهيدي وقد اجتمع مع عبد الله بن المقفَّع: كيف رأيته؟ فقال: علمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقفَّع: كيف رأيت الخليل؟ قال: عقله أكثر من علمه !.
    انتهت حياة ابن المقفع الشَّاب بشكل مأساوي، إذ تم قتله وتقطيع أوصاله في البصرة من قبل واليها سفيان المهلبي بإيعاز من المنصور، وقد تباينت الآراء بشأن مبررات ذلك الفعل..
    وهنا يقول أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام": "ابن المقفَّع كانَ ناضِجَ العقل، قويُ الفكر، شاعِرَاً بوجوه الضَّعْفِ في الدَّولة، ميَّالاً إلى إصلاحها، ولو عرَفْنَا أنَّهُ قُتِلَ ولمَّا يتجاوز الأربعين من عُمْرِهِ عرِفْنَا قدرَ نبوغِهِ، وعَرِفْنَا أيُّ عقلٍ كبيرٍ كان يشغلُ رأسَهُ.. فَهُوَ يعلمُ تمام العِلمِ نُظُم الفُرس في الجُند والقضاء والصَّحابةِ والخَرِاج.. فَكَانَ ينظُر إلى المملكةِ الإسلامية، وما فيها من نُظُمٍ ناقِصة في بعضِ نواحِيها، وينقُلُ عقلهُ بسرعةٍ إلى قومه الفُرس، فيُقارِن بين ما يرى أمامهُ، وما أرشدَهُ إليهِ التاريخ الفارسي، فتوحِي إليهِ هذه المُقارنة مقترحاتِ الإصلاح، وتصطدم هذه المُقترحات أحياناً بنظراتِ رِجَالِ الدِّينِ..".
    ثقافة - الخميس, 22 تشرين1/أكتوير 2020 16:15

    حسن عابدين.. أسير الفن ينجو من الإعدام

    تحل، الأربعاء، ذكرى ميلاد الفنان المصري حسن عابدين، الذي ولد في 21 أكتوبر 1931.

    بدأ الفنان الراحل مسيرته الفنية على المسرح العسكري، إذ تطوع في الجيش المصري، إيمانا بحب الوطن، وإخلاصا لقيم نبيلة تربى عليها.

    وأثناء وجوده بالخدمة العسكرية نشأت صداقة بينه وبين الفنان إبراهيم الشامي، واتفقا على حب المسرح.

    وعلى خشبة المسرح العسكري شارك "عابدين" في عدد كبير من العروض المسرحية، ولكنه كان يشعر بالحزن لأن جمهور المسرح كان يقتصر على الضباط والجنود فقط، وكان يحلم بالعبور للجمهور العام لكي يصبح فنانا مشهورا.

    عندما قامت حرب فلسطين 1948، وقع الاختيار على حسن عابدين ضمن كتيبة المجاهدين، وشارك بالفعل في الحرب، وكان سعيدا بهذه التجربة، وكثيرا تحدث عنها وقال إنه وقع في الأسر خلال الحرب، وصدر عليه حكم بالإعدام.

    وقبل تنفيذ الحكم بـ3 أيام نجح عدد من زملائه المصريين في تحريره، وعاد إلى أسرته فخورا بدوره وسعيدا بتجربة تؤكد شجاعته وحبه لعروبته.

    وبعد الخروج من الخدمة العسكرية، قرر "عابدين" أن يطرق أبواب الاستوديوهات والمسارح طمعا في فرصة للظهور، وعن طريق صديقة إبراهيم الشامي دخل التلفزيون وقدم عبر شاشته الساحرة ما يقرب من 20 مسلسلا أبرزها "أهلا بالسكان، الغربة، برج الأكابر".

    كما تألق على شاشة السينما بعدد من الأفلام المهمة مثل "درب الهوى، ريا وسكينة، وسترك يا رب".

    وتوهج أيضا على خشبة المسرح الخاص بعدد من المسرحيات التي حققت نجاحا كبيرا، وجعلت منه نجم حملات إعلانية ومنها "عش المجانين، ع الرصيف، والرعب اللذيذ".

    وفي 6 نوفمبر 1989، فارق حسن عابدين الحياة عن عمر ناهز 58 عاما.

    أجمع كل الذين عاصروا الفنان المصري رشدي أباظة على أنه كان شديد الشغف بالحياة ولا يحب الإفراط في الحزن، ورغم ثرائه ونجوميته كان شديد التواضع ورائع الحضور.

     

    واستطاع رشدي أباظة أن يجسد العديد من الأدوار المؤثرة على شاشة السينما بفضل موهبته الخصبة، ووسامته التي دفعت النقاد لمنحه لقب "دنجوان السينما المصرية".

    في ذكرى رحيله الـ40 تنشر "العين الإخبارية" مجموعة من الصور النادرة في حياة رشدي أباظة التي جمعته بعدد من نجوم جيله وعلى رأسهم الفنان أحمد رمزي، وكذلك صوره مع بعض زوجاته.

    ولد رشدي سعيد بغدادي أباظة الشهير بـ"رشدي أباظة" في 3 أغسطس/ آب 1926، وسط أسرة شديدة الثراء، وكانت طفولته رائعة وساعدته والدته الإيطالية على تعلم 5 لغات وهي الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والفرنسية.

    ولم يخطط رشدي أباظة لدخول مجال التمثيل ولكن علاقة الصداقة القوية مع أحمد رمزي وعمر الشريف كانت السبب في عمله بالتمثيل، وفي عام 1949 قدم أول أعماله وهو فيلم "المليونيرة الصغيرة" أمام فاتن حمامة.

    وفي عام 1958 توهجت نجوميته بعدما شارك في بطولة مجموعة من الأفلام المهمة مثل "امرأة على الطريق" لتتوالى بعد ذلك أعماله التي صارت علامات في تاريخ السينما المصرية مثل "في بيتنا رجل" و"الزوجة 13" و"شروق وغروب". 

    تزوج دنجوان السينما المصرية 5 مرات من تحية كاريوكا وصباح وسامية جمال وباربرا الأمريكية التي أنجب منها ابنته الوحيدة "قسمت" وقبل رحيله بعامين تزوج من ابنة عمه نبيلة أباظة.

    وتردد كثيرا أنه أحب الفنانة كاميليا ولم يستطع الاقتراب منها بسبب الملك فاروق الذي سقط في غرامها أيضا وفرض حصارا حولها.

    وكان رشدي أباظة شديد الحنان مع ابنته قسمت، واعتبر زواجه من سامية جمال أفضل فترة في حياته، ولذا استمر معها 18 عاما، وفي 27 يوليو/ تموز 1980 رحل الدنجوان عن الحياة بعد صراع مرير مع سرطان الدماغ.

     فتحي قورة : ولد في 19 أكتوبر 1919 - توفي في 18 أوت 1977، (58 سنة).
    - كان من أشهر الشعراء الذين تميزوا بطابع خاص وكتابة كلمات للأغانى ذات روح مرحة.
    - كلفته المنتجة ماري كويني بكتابة أغنية لفيلم كانت بصدد اعداده، وكان من المفروض أن يغنيها عبد الغنى السيد ولكنه رفض فغناها عازف مبتدىء في ذلك الوقت اشتهر فيما بعد كمطرب "بالعندليب" و كانت أغنيته الأولى تأليف قورة واسمها "اسعى يا عبد وأنا اسعى معاك" ، وبدأت بعدها رحلة السعي بين قورة وعبد الحليم حافظ، وانتهت بأن كان آخر إنتاج مشترك بينهما هو أيقونة من الدرجة الأولى : "وحياة قلبى وأفراحه".
    - كتب لفريد الأطرش "دقوا المزاهر"، وهو كاتب النشيد الوطنى لافتتاحية الإذاعات المصرية كل صباح "الشمس بانت"، وكذلك نشيد "الأقصر بلدنا".
    - غنت له فيروز "يا حمام يا مروّح بلدك تاني" وهي من تلحين حليم الرومي..
    - قدم قورة رصيدا من الجمل التى تحولت إلى أمثال شعبية على لسان المصريين، منها على سبيل المثال :
    "ما راح زمانك ويا زمانى .. عمر اللى راح ما هيرجع تانى"،أو العاطفية "القلب يحب مرة ما يحبش مرتين".
    - كتب قورة أغنية "مال القمر ماله" التى غناها محمد فوزى فى أحد أفلامه، كما كتب له أغنية "تعب الهوى قلبي".
    - وغنت له شادية "ألو الو إحنا هنا"، و"حبينا بعضنا"، و"حبيبى أهها"، و"الشمس بانت من جديد"، و"معلش النوبادي"، و"سيد الحبايب".
    - وغنت له فايزة أحمد"يا حلاوتك يا جمالك"
    - غنت له صباج : "الدوامة" و"أنت السبب"، و"اللى اتمنيته لقيته"،" وحيرنى حبك"، و"روح على مهلك"،و"شمس وقمرين".
    - كما غنى له فريد الأطرش :"ياسلام على حبى وحبك"،"أتقل أتقل"، و"حلوه بشكل"، و"دقوا المزاهر"، و"علشان ماليش غيرك"، و"قلبى ومفتاحه"، و"مرة يهنينى"، و"مش كفاية"، و"يا قلبى كفاية دق"، و"يا حليوة يا حليوة".
    - كان فتحي قورة يمتلك حسًا ساخرًا، وقدرة على الإختزال بما يجعل الفكرة ذات مخالب لا يمكن الفَكاَك منها، كان قورة ماهرًا فى كليهما، واستطاع أن يبرز هذه المهارة في أغنيات ساخرة مثل "يا سيدى أمرك" لعبد الحليم، و"يا سلام على حبي وحبك" لفريد الأطرش.
    - قدم الشاعر فتحي قورة للإذاعة العديد من الصور والبرامج الغنائية نذكر منها: "سهرة فى الحسين" غناء عباس البليدى ومحمود شكوكو وسيد مكاوى وإخراج مصطفى أبو حطب، والبرنامج الغنائى "فرحة العيد" وشارك الغناء عباس البليدى وإخراج مصطفى أبو حطب، والصورة الغنائية "قلب للإيجار" غناء عبد اللطيف التلبانى.
    - بعد سنوات كتب خلالها أغنيات معظم الأفلام المصرية واجه فتحي قورة أزمة صحية، وكانت ظروفه المادية سيئة إلى درجة تدخل معها أم كلثوم وعبد الوهاب طالبين من الدولة أن تعالج قورة على نفقتها، لكن القرار صدر متأخرا، كان قورة يفقد بصره بالتدريج، إلى أن غاب تمامًا ليقضى ما تبقى من سنوات عمره ضريرا.
    - توفي فتحي قورة بعد أن ملأ الدنيا فنّا، والحياة صخبا... أخلص لفنه فنسي حياته، واهتم بأن يضع علامات فارقة في مسيرة المطربين الذين غنوا كلماته ونسي أن يضع أموالا فى حسابات تؤمّن حياته.
    - لم يكن بوهيميا، لكنه لم يكن من المحظوظين الذين كان لديهم قليل من الفن وكثير من الإدعاء والمنافسة علي حصد كل شئ، كان لديه فائض من الموهبة والإخلاص لروح وثقافة شعبه...

    Please publish modules in offcanvas position.